السيد عبد الأعلى السبزواري

71

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الثالث : الإيثار على النفس الذي هو من أجلّ مقامات الأولياء وفيهم نزلت الآية المباركة : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ سورة الحشر ، الآية : 9 ] . وسيأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة له . ومن ذلك يعرف أنه لا وجه لتخصيص الرزق بالنفقة الواجبة على الأهل والولد أو الزكاة المفروضة أو صدقة التطوع ، أو الحقوق الواجبة العارضة في الأموال - ما عدا الزكاة - وكذا ليس المراد به خصوص العلم - كما يأتي في البحث الروائي - بل هو عام يشمل كل إنفاق ولو كان معنويا يبتغي فيه سبيل اللّه تعالى فإنه ربما يكون الإنسان مصليا وصائما ولكنه متى ما عرض عليه ما يقتضي به بذل شيء شحت نفسه وأمسك عن الإعطاء . ويستفاد من إسناد الرزق إلى اللّه تعالى أن الإنسان مهما جدّ في تحصيل ما يتملكه كان كله من اللّه جل شأنه وأنه هو الرزاق فلا يكترث بما يصيبه ولا يبخل عما يطلب منه ، وإن الإنفاق بشيء له تعالى ليس من فقد الشيء عن الباذل بل حقيقته تحويل شيء عن معرض الزوال والفناء إلى خزائن اللّه تعالى التي لا يتصور فيها الفناء والزوال وفي قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [ سورة سبأ ، الآية : 39 ] وقوله تعالى : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [ سورة الأنفال ، الآية : 60 ] إشارة إلى ما ذكرناه . وسيأتي التفصيل . كما أنه يستفاد من قوله تعالى : مِمَّا رَزَقْناهُمْ أن المطلوب منه النفقة ببعض مما يملك لا جميعه كما نبه عليه في آية أخرى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً سورة الإسراء ، الآية : 29 ] . بحوث المقام بحث روائي : عن العسكري ( عليه السّلام ) أنّه قال : « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني بما غاب عن حواسهم من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها كالبعث والنشور